ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

522

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

عذابا ذكرتهم فصرفت بهم عنهم . وأمّا التي في لسانك فتجديد شهادة أن لا إله إلّا اللّه كما قال اللّه ( تعالى ) : وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً « 1 » ، وقول الصدق والاشتغال بذكر اللّه كما قال : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ « 2 » ، وأمّا التي في قلبك : فأوّله : عرفان برّ اللّه ونعمته عليك وعرفانك فإنّ ذلك العرفان أيضا من اللّه ، كما قال بعض الصوفية : إنّ فطنك لبره فرغك لذكره ، وإن فرغك لذكره أدناك إلى قربه ، وإن أدناك إلى قربه توجك بتاج كرامته ، وإن توجك بتاج كرامته أقعدك على كرسي بهائه ، وإن أقعدك على كرسي بهائه أدخلك في روح مناجاة أنسه ، وإن أدخلك في روح مناجاة أنسه سقاك من صرف شراب محبّته . والثاني : اختيار محبّة اللّه ، وأي شيء أشرف من محبّة العبد الضعيف للربّ الجليل ؟ وقال يحيى بن معاذ : إلهي إنّي أحبّ أن أحبّك ، وأنت تحبّ أنّي أحبّك ، فما المانع بيني وبينك ؟ ثمّ أنشأ يقول : أمرضني حبّه وأضناني * وفي بحار البلاء ألقاني مغترب الجسم في توحشه * إلى تقوم اللقا أدناني أعززني حبّه وأذللني * أفقرني حبّه وأغناني حسبي ذو المنّ في تلطّفه * ذاك إلهي وذاك رحماني والثالث : الاكتفاء بأنس اللّه عند الهموم والأحزان ، وقال وهب : إنّ عابدا من بني إسرائيل عبد اللّه في جبل ستين سنة ، فمرّ يوما بقرية فإذا هو بشجرة خضراء عند عين ماء ، فنقل مصلاه إلى أصل تلك الشجرة ، فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الزمان : قل لفلان العابد : سقيتك بكأس محبّتي حتّى صرت من أهل محبّتي ، ثمّ سقيتك بكأس الأنس حتّى صرت جليسي ومؤنسي ، ثمّ سقيتك من صافي ودادي ، ثمّ صرت عشيقي أليس كذلك عبدي ؟ قال العابد : نعم يا حبيبي . فأوحى اللّه إلى نبيّ ذلك الزمان : قل لعبدي : ما حملك على أن تستأنس بسواي ؟ فو عزّتي وجلالي لو لم تستأنس بسواي لناغيتك كما يناغي الصبي أمّه ، اذهب فقد محوت اسمك من ديوان جلسائي وما كان ذلك إلّا مكري بك .

--> ( 1 ) - الأحزاب : 70 . ( 2 ) - البقرة : 152 .